الحكم المحلي: بين توسعة الصلاحيات وضبابية النتائج

د. همدان دماج
السياسية، 19 ديسمبر 2009

PDF قراءة المقالة بصيغة

 

في الوقت الذي تلاقي فيه قضية توسيع صلاحيات الحكم المحلي في اليمن ترحيباً كبيراً في الأوساط السياسية، بوصفها خطوة متقدمة في عملية تطوير نظام الحكم والخروج من دوامة المشاكل المتراكمة التي أنتجتها المؤسسات المركزية، ما يزال العديد من المهتمين بهذه القضية يبدون مخاوفاً إزاء ما يمكن أن تنتج عنه هذه التجربة، التي ينبغي أن تأخذ ما تستحقه من نقاش وتبادل لوجهات النظر المختلفة.

فعلى الرغم مما قد يبدو إجماعاً على أهمية تقليص الحكم المركزي وتوسيع صلاحيات الحكم المحلي، لا يمكن تجاهل شعور العديدين من المهتمين والمراقبين تجاه ضبابية النتائج المرجوة من ذلك، خاصة إذا ما نظرنا إلى واقعنا الاجتماعي والسياسي المعاصر، بكل ما فيه من خلل وانهيار، وتراجع كبير عما كان يطمح إليه أبناء اليمن خلال فترة المد الثوري التقدمي بعد قيام الثورة ونيل الاستقلال في ستينيات القرن المنصرم، أو فترة الانتعاش الوطني بعيد قيام الوحدة.

إن الفساد اليوم، بمفهومه الواسع، لم يعد مركزياً فقط، بل أصبح للأسف متأصلاً أيضاً في الأقاليم المختلفة من البلاد. وبالمعايشة اليومية والإطلاع على أحوال الناس في القرى والمدن الصغيرة، وبقراءة متأنية لحالة التراجع المنتظم لوعي أفراد المجتمع، نخبة وعامة على السواء، والحضور القوي والمتزايد لمجمل السلوكيات الخاطئة المستمدة من تراث ماضوي مشبع بالجهل والأمية، يجد العديد من السياسيين والأكاديميين أنفسهم أمام تخوف من أن يتحول الحكم المحلي واسع الصلاحيات إلى مجرد فساد مؤسسي محلي واسع الفوضى. وبدلاً من "تعزيز اللحمة الوطنية" المبنية على أساس ما يوفره التنوع من ثراء اجتماعي، يتم تعزيز المناطقية بمفهومها السلبي، بما ينتج عن ذلك من إضرار كبير بمصالح الناس وحقوقهم المدنية وفرصهم المتساوية في العمل والإنتاج. وبدلاً من القضاء على، أو الحد من، الفساد والترهل الإداري في المؤسسات المركزية، قد نجد أنفسنا أمام انتشار واسع للفساد والخلل الإداري، ربما بزخم أكبر، داخل المؤسسات اللامركزية، باعتبارها في نهاية الأمر لا تعدو أن تكون صورة مصغرة للمؤسسات المركزية المختلة.

إن من يستحضر التجربة المعاصرة للحكم المحلي، والأداء الفاشل لإدارته، ومستوى الإنتاج الضئيل جداً الذي أحرزه على أرض الواقع يستنتج أن هذه التجربة أفضت إلى ركود تام،  إذ تحولت المجالس المحلية، بكوادرها غير المؤهلة، إلى غرف إدارية مصغرة للفساد ونهب المال العام. وبدون أي إستراتيجية للعمل، عززت هذه المجالس من ظهور ثقافات وسلوكيات خاطئة (متوارثة) في الإدارة والحكم، لا تنفع الناس بقدر ما تقوم به من تنمية للضغائن، وفتح الفجوات الاجتماعية، لا ترميمها.

لقد باتت قضية تأهيل القيادات في السلطة المحلية أمراً مهماً للغاية، إلى جانب وضع الضوابط والشروط للمرشحين في انتخابات السلطة المحلية التي من شأنها ضمان نجاح الكوادر المتخصصة والمؤهلة إدارياً. وكنت قد طرحت في إحدى المناسبات التي جمعتني بعدد من المثقفين سؤالاً عن مدى تفاعل هذا الوسط مع قيادات مجالسهم المحلية في المدن أو القرى، وكانت النتيجة أن الغالبية العظمى منهم لا يعرفون أي شيء عن مجالسهم المحلية أو أياً من قياداتها. وإذا كان هذا هو الحال مع الطبقة المثقفة فما بالك بالآخرين من عموم الناس!  

لا شك أن نجاح الحكم المحلي الذي نطمح إليه مرهون بثقافة شعبية سليمة وبوعي سياسي متقدم يمّكن الناس من السعي الجاد لتحقيق مصالحهم العامة. لا شك أن الغالبية تتفق معي في أن مثل هذا الوعي ما يزال ضعيفاً، إن لم يكن مفقوداً تماماً، كما أن المناخ الملائم لنجاح التجربة ما يزال مبهماً.

إن من يستشهدون بنجاح تجربة التعاونيات في سبعينيات القرن المنصرم لا بد أنهم يدركون حجم التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها اليمن خلال هذا الفترة، وهو ما يجعلنا نتساءل فيما إذا كان الحكم المحلي واسع الصلاحيات هو "الموديل الوحيد" للخروج من الأزمة الراهنة وحل مشاكل الناس، على الأقل في هذه المرحلة الزمنية من تاريخنا المعاصر! أم أن علينا أولاً العمل على تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي المناسب، بما يستدعيه ذلك من السعي لحل المشاكل المتراكمة للحكم المركزي، قبل الولوج في ما قد يتحول إلى مغامرة سياسية واجتماعية أخرى، شبيهة مثلاً بسياسات الخصخصة غير المدروسة التي انتهجتها الحكومة قبل أعوام، والتي أثبتت فشلها وتبعاتها السلبية على اقتصاد البلاد.    

إن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الخصوص هو: ما هي الضمانات الملموسة لنجاح تجربة توسيع الحكم المحلي؟ وهل يكفي فقط أن نثق بما يبدو لنا منطقياً - أي إيجابية الحكم المحلي، أم أن للواقع المعاش ظروف زمنية خاصة جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار؟