اختفاء
همدان دماج
اليوم تدحرجت كرة دمعٍ كبيرة على خد طفلٍ ظل يرنو بحزن إلى سيارة الآيسكريم،
التي دخلت الحارة منذ مدة، وأضافت إلى سيمفونية الضوضاء صوتاً مزعجاً آخر
من موتورها الذي يطلق الدخان بلا هوادة. كان في الخامسة من العمر... هكذا
خمنتُ وأنا أتأمل وجهه الباكي الذي كان يشتد حزناً كلما اقترب وقت رحيل
السيارة... وفجأة انفتح بابٌ هلامي في المسافة ما بين الطفل الواقف على
الرصيف والسيارة... وهبت منه رياح كونية غريبة... أحسست أن الله كان
يشاهدنا في تلك اللحظة. تحركت سيارة الآيسكريم مغادرة الحارة، فأجهش الطفل
بالبكاء... ومن غير تردد تحركتُ نحوه وأخذته إلى أقرب دكان واشتريت له كل
ما يريد قبل أن أعود به إلى المكان نفسه الذي وجدته فيه أول مرة... ومضيت
في طريقي وأنا ألتفت بين الحين والآخر إلى الوراء، مستمتعاً بابتسامته لي
بعد أن توقف عن البكاء... لكنني وبعد لحظات قليلة أصبت برعب شديد وأنا
أشاهد الطفل يتلاشى رويداً رويدا.. ثم يختفي تماماً...
* * *
ركضت بهلع نحو المنزل دون أن أدرك أن ذلك الطفل هو أنا الذي كنته منذ
أربعين عاماً... وأن عربة الآيسكريم هي ذاتها تلك التي بكيتُ أمامها كثيراً
ولم أتوقف عن البكاء إلا بعد أن التقطني والدي من على الرصيف وأخذني إلى
دكان قريب... كان ذلك هو نفس يوم اختفائه الغامض الذي لا تزال أمي تذكره
بحرقة حتى اليوم.
|