|
قراءة تأويلية لشخصية البطل في رواية "الرهينة" لزيد مطيع دماج
محمد محمد العديني |
|
تنويه قمنا في هذا البحث بدراسة شخصية البطل في نسقها الوجودي الفلسفي، وتبين أثر ذلك من خلال بعض صور الصراع التي مرت بها، وفق مقاربة تأويلية فرضتها طبيعة النص وزاوية النظر إليه. قصة "الرهينة" هي قصة الحرية والصراع الوجودي المرير من أجلها، قصة الصراع بين الوجود والعدم، العبودية والحرية، قصة بطلها التراجيدي (الرهينة) الإنسان الفرد الأعزل الأسير الريفي البسيط العاشق ضد سلطة الحاكم العدو: العسكر، القلعة، القصر؛ وسلطة الحاكم المعشوق: الرغبة، العاطفة، الشهوة، الجسد... صراع يسير في اتجاهين متداخلين: صراع مع الآخر الخارجي العدو، وهو صراع مباشر بالنسبة لوضعية وموقف البطل من الحاكم المستبد، وصراع داخلي مع الذات: الـ"أنا" والـ"هو"، المثال والواقع. وهو صراع ملتبس يأخذ الآخر فيه صورته من الذات، بوصفه امتداداً لها أو بوصفها (أي الذات) "آخر الآخر" على حد تعبير بول ريكور، أو صورة الآخر وقد اتحدت بالذات، الصورة المستبطنة في كينونة الذات والثاوية في جوهر وجودها، واليوتوبيا المنشودة في تطلعها وطموحها الميتافيزيقي. ولذا فهو صراع تراجيدي تتواشج فيه مفاهيم الوجود بالعدم، وتتلاحم صور المثال بالواقع، والروح بالجسد، ضمن دائرة وجودية كلية تتلاشى فيها الجهات وتنصهر الأبعاد في واقع حلمي أو حلم واقعي، يكشف فيه العدم عن تراجيديا الوجود المنطوي عليه، وقد مرت تجربة البطل فيه بتحولات ومخاضات وجودية عنيفة، أخذ العدم فيها وظيفته ودوره الحاسم في صقلها والكشف عن إمكاناتها المتعددة وأبعادها الوجودية المختلفة. نتبين إحدى صور هذا الصراع الدراماتيكي الكاشفة عن القلق الوجودي وتمزقاته وثقل انسحاب الزمن عليه، حيث يصل الصراع فيه إلى قمته، والذي سيمثل "بذرة تحوّل" في مسار البطل في الصورة التي رسمها لنا البطل الراوي، حيث يقول: "مرّ ذلك اليوم كأنه دهر وأنا في حالة قلق وغم ونكد، أصارع قلبي وعقلي ونفسيتي المرهقة التي باتت تدفعني حثيثاً لممارسة كل ما يمارسه صاحبي وزميلي وصديقي من أشياء لم أقبل الإقدام عليها ولا حتى مجرد التفكير فيها منذ أن وطأت قدماي هذا القصر وملحقاته ومن فيه. لكنني بألم بالغ ومذل حاولت جهدي أن أخرج من هذه الدوامة بأي حل، ولكن دون جدوى، فقد حصل ما حصل وكأنه بذرة تحوّل في مساري"(1). كما نتبين ذلك في صورة التوحد الذي رسمه لنا البطل الراوي (الضحية) بينه وبين عذاباته، بين الأسير وأسره، المُقيَّد وقيده, في صورة مختزلة وموحية تلقي بظلالها على تاريخ طويل من القهر والعذاب الإنساني، حيث يقول: "لملمت قيدي وانحنيت على ركبتي محتضناً إياهما مع القيد"(2). وتزداد هذه الصورة قتامةً وبشاعة وإيلاماً في حالة رضوخ الضحية (البطل) للقائمين على تعذيبه وتصفيقه لهم ومناداته باسمهم وهتافه بحياتهم في لحظة من غياب وعيه. يقول: "صفقت له (ابن النائب، الضفدع -حسب وصف الراوي البطل له) وناديته باسمه، بل وهتفت بحياته، لا أدري كيف فعلت ذلك!"(3). ولعل استسلام البطل واسترساله في مشاعره العاطفية تجاه الشريفة حفصة كان سبباً في رضوخه. ويمكن تفسير ذلك من الوجهة النفسية بأن هذه الصورة من خضوع وتوحد البطل الضحية بقاهريه، المعذب بعذاباته والتي طفت على سطح وعيه كانت تجلّياً وانعكاساً لتوّحد آخر جرى بين البطل العاشق ومعشوقته، توحد ترسب واختمر في لا وعيه. يقول البطل الراوي: "تأملتني (الشريفة حفصة) ملياً وبرفق، أنا مستسلم، نسيت خلالها الحشود الغفيرة وهذا الحدث، وغمرتني مشاعر فياضة لم أحس بها من قبل"(4)، "وبرغم ما حدث لم تبارح الشريفة حفصة مخيلتي مطلقاً بكل جسمها وصوتها ومفاتنها العديدة. كنت أطرد صورتها من خيالي بقوة أثناء نومي أو يقضتي، دون جدوى. وكنت أحاول أن أنساها بتذكري لأبي وأمي وإخوتي وأسرتي، عسى أن تقوم صورهم بطرد صورتها، ولكن دون جدوى، أصبحت جزءاً من الغرفة، من حياتي اليومية المعاشة.. لا حركة ولا سكينة فيها إلا وهي موجودة أمامي.. حتى لقاء صاحبي مع نساء القصر وشذوذهن معه لم أعد أكترث ولا أهتم به"(5). آخر صور هذا الصراع وأكثرها عنفواناً ودراماتيكية هي صورة مطاردة الشريفة حفصة للبطل أثناء محاولة هروبه، وسنقصر مقاربتنا التأويلية لها على سيميائية الحجر. يرد الحَجَر في هذه الصورة وفق الترتيب السردي التالي: - حجر تقذفه الشريفة حفصة إلى ظهر البطل. - حجر آخر آلم البطل. - حجر أخذه البطل وهوى به نحو الشريفة حفصة بعنف، لكنه لم يكن يقصدها في اللحظة الأخيرة، فطوّح به بعيداً عنها. - حجر آخر أخذته الشريفة حفصة وثبت به نحو البطل، فوقف متحدياً وفي الوقت نفسه مستسلماً، وعند اقترابها منه تهوي به بعيداً وتلقي بجسمها ويديها لتحتضن البطل بشغف. - تلتقط الشريفة حفصة الحجر مرّة أخرى مصحوباً بتشنجاتها، ثم تلقي به بعنف إلى الأرض وقد تمسكت بتلابيب البطل. ترد مادة (ح ج ر) في اللغة بمعانٍ متعددة منها: الحَجَر: الصخرة، والحِجْر: العقل، والحجر: المنع. بناءً على ما سبق نفترض ونستنتج ما يلي: · تمثل حركة (الحَجَر) حجر الشريفة حفصة والبطل في المحيط الفيزيقي معادلاً لحركة (الحِجْر) العقل لديهما في محيطهما النفسي الانطولوجي. · لمّا كان عشق البطل للشريفة حفصة خالصاً من السوى والغير، وكان العشق تجربة إشراق تتمحور حول مركزية الذات ونزعتها الشمولية إلى الاتحاد بالآخر وصهر أبعاده الموضوعية المحايدة، وكان العشق بطبعه لا ينتمي إلى عالم المعقول أصالةً وجوهراً، فقد اتسم موقف البطل بالرفض للعقل (الحِجْر)، وهو موقف يمكن تفسيره استناداً إلى امتناع البطل عن إعمال/أخذ الحَجَر/الحَجْر غير مرّة واحدة دون قصدية منه مطوّحاً به بعيداً بعد قذفه به مرتين. · في دلالة الفعل "طوّح" على الهلاك والتيه والحيرة التكثيرية وعدم الثبات ما يشير ويدلّ على تلك الممانعة عن إعمال/أخذ الحَجَر/الحِجْر. وذلك خلافاً لموقف الشريفة حفصة، والذي اتسم بمعقوليته رغم عنفوانه، ويشير إلى استمرار تمسكها بالعقل (الحِجْر) وصعوبة تخليها عنه ومراوحتها في الظاهر، بحكم ظروف وطبيعة نشأتها الاجتماعية وموقعها وانتمائها الطبقي في ظل نظام ثيوقراطي يكرس الفوارق الطبقية. فقد أخذت الحَجَر/الحِجْر أكثر من مرّة وقذفت به ظهر/ظاهر البطل. ومازالت في البعد، حتى إذا اقتربت، وأخذت سطوة العقل لديها تضعف، ترشحت وتأهلت للاستنارة والمكاشفة والاتحاد. لذلك كان إلقاء الحَجَر/الحِجْر إلى الأرض بمثابة عودته إلى أصله (المادة، الجسد، الشيء، المكان، الزمان، الكلام)، وعلامة على بداية التحوّل من الظاهر (عالم العقل) ومغادرته، والولوج إلى الباطن. تنتهي حركة الحَجَر/الحِجْر بإلقائه إلى الأرض في حالة الشريفة حفصة بعنف يماثل عنف التطويح به بعيداً في الحالة الوحيدة للبطل. العنف/العنفوان هنا علامة ورمز وجداني للتحرّر من كثافة المادة وصفاقة المفهوم وسيطرة النسق , بوابة الجسد إلى جغرافية الروح، وضوؤه الكاشف المقيم أبداً في الغياب. ليتسنى لكلا العاشقين بعد ذلك الفناء في لحظة تتسع فيها الرؤية وتضيق العبارة، لحظة تقاطع الحضور مع الغياب، لحظة محو المفهوم والموهوم، لحظة اتحاد الوجود بالعدم في اللاشيء، في اللحظة اللازمنية الفاصلة بين الملكية واللاشيء، بين سؤال وجواب العاشقين: " - ما لك؟ - لا شيء".
الهوامش: (1) رواية "الرهينة"، دار الآداب، صـ73. (2) المرجع نفسه، صـ49. (3) المرجع نفسه، صـ52. (4) المرجع نفسه، صـ50. (5) المرجع نفسه، صـ54-55.
|