زيد مطيع دماج: الأبعاد الوطنية والإنسانية


كمال صلاح البطاطي

 

زيد مطيع دماج، القاص والروائي اليمني، حمل الحكاية بأبعادها المختلفة، الوطنية والإنسانية والجمالية، من وسط الريف وعمق القرية اليمنية، إلى مدن الواقع والخيال. فهو يصنع الخيال لرواية الواقع، ويصنع من الحياة خيالاً، لا للهروب منها، ولكنها رحلة مشتركة لا يطغى أي منهما على الآخر، ليشكل معادلاً متوازناً بفعل التجربة والموهبة. يقول أستاذ الجيل د. عبد العزيز المقالح: "كل سطر كتبه الراحل الكبير زيد مطيع دماج يحمل فكرة ويدافع عن قضية. لم يكن يكتب للشهرة أو لسد فراغ أو يقبل ما يسمى بمفهوم الأدب للأدب أو الفن للفن. فقد كان الأدب عنده، كما هو عند كل مبدع محب للإنسان، تعبيراً عن قضية وتجسيداً لموقف"(1).

فقد كتب الأستاذ زيد مطيع دماج عن الصراع من أجل البقاء واستمرار الحياة والانعتاق من العبودية والانطلاق إلى فضاء الحرية ومحاربة الظلم والفساد والثورة على النظام الإمامي المستبد الذي حول الشعب إلى قطيع من العبيد والرهائن، كما في روايته "الرهينة"، أو في قصتيه: "طاهش الحوبان" و"ليل الجبل". لم يتوقف هذا المبدع عند حد التحريض أو رفع شعلة الانتصار، ولكنه ظل يرصد رياح التغيير التي تهب على وطنه، وظل أيضاً يحلم بوطن جديد يقوم على المدنية الحديثة التي قيمتها الحقيقية إيجابية العمل والبناء من أجل التطور والتقدم، مستهجناً الحياة العسكرية التي لا تقود إلى ذلك أو ما يسمى بخلق روح الاستبداد الذي لا يفضي إلى تقدم، كما في قصـتـه "هاي هتلر". فالقاص يتجاوز كل مراحله التي عاش فيها رغم صعوبة تلك المراحل وعنفها، هو يرفض التصادم الذي يحدث دائماً بين المثقفين وأصحاب الرأي من جهة وبين السلطة السياسية الحاكمة من جهة أخرى، منتقداً وبسخرية هذه المعادلة الثنائية التي لا تقود إلى حركة الحياة وتطورها، كما في قصته "العقرب".

 كان للمرأة حضور متميز في قصص وروايات الأستاذ زيد مطيع دماج. فهو في روايته "الرهينة" يبرز وبشجاعة نادرة الاضطهاد الذي لحق بالمرأة اليمنية، ونظرة المجتمع القاصرة، وهو مجتمع مقموع في الأصل من الداخل؛ مظهراً التفاوت الطبقي الذي يمنع التزاوج بين طبقات مختلفة في المجتمع هذا المنع الذي قام على أسس واهية ليست من الدين في شيء، الأمر الذي يفضي إلى علاقات غير شرعية، ربما أشبعت الجسد بطريقة الاختلاس، لكنها لا تشبع الروح. هو أيضاً يرفض الخيانة والعلاقات المحرمة وتردي المرأة والرجل إلى الانزلاق في متعة عابرة أو سلوك مشين يجعل أياً منهما في دائرة الاحتقار، كما في قصته "الغجرية".

نتحسس مسحة من الحزن أو شيئاً من الضياع، ربما لحالة اليتم التي عاشها دماج، الذي فقد الأب والأم وهو في مرحلة صغيرة من عمره، هذا الحزن الذي لازمه حتى اليوم الأخير الذي لم يمت فيه كما نظن، لأنه ما زال حياً بروحه وبأعماله الخالدة. نلمس ذلك من خلال سيرته وكتاباته عن "المدرسة الأحمدية" وفي روايته "الرهينة" وفي قصته القصيرة "الذي أضاع أمه" وغيرها...

حمل دماج أيضاً هماً إنسانياً وطنياً حين رسم صورة جلية لمفهوم الاغتراب، ومعنى التغيير الذي يمكن أن يحدثه هذا المعنى الإنساني في مجريات الحياة داخل الوطن والثمرة التي يجنيها الوطن الأم من ذلك العائد من الاغتراب، كما في "العائد من البحر"، و"الذماري". لكنه ما إن يصل إلى وطنه ويبدأ محاولة التغيير حتى يحاصر بما تبقى من عهد التخلف من سلبيات لا حصر لها، يدخل في مرحلة اغتراب جديدة، لكنها في هذه المرة اغتراب داخل الوطن، اغتراب داخل الذات.

من خلال التسمية التي أطلقها وعنونها زيد مطيع دماج لمجموعاته القصصية وروائياته تتجلى أبعاد الرسالة التي حملها هذا المبدع الجميل، بل وتتقاطع جلها للثورة على الظلم والقهر والاستبداد، والدعوة إلى فضاء الحرية والكشف عن مستقبل لليمن السعيد. ففي قصته "طاهش الحوبان" وكذلك في "ليل الجبل"، نجد أن الطاهش، وهو الحيوان الأسطوري المفترس والذي يعترض المسافرين ليلاً، يكاد أن يكون الحيوان نفسه والصراع هو الصراع نفسه وكيف استطاع النقيب عبد الله بن صالح، العائد من عدن والهارب من الإمام يحيى، أن يصارع طاهش الحوبان والكامن بأحد أودية مدينة تعز، وأن يقهر الطاهش ويصرعه ويكون حتفه على يد البطل عبد الله بن صالح، "وتحرك النقيب مع تابعه وقد بدأ يشدو مغنياً والتابع يردد بعده ذلك..."(2).

كذلك فعل الحاج صالح العجوز حين تقدم للانتقام لمقتل ابنه، الفتى المغامر ليلاً الذي لم يخف من اللبوة في "ليل الجبل"، والذي قتلته اللبوة، فما كان من الحاج صالح إلا الانتقام منها وبشراسة وتخليص الناس من شرها المستطير ومن الخوف المسيطر عليهم ليلاً. "اقترب منها الحاج صالح واستل سيفه من نحرها فلم تبد حراكاً.. ثم اتجه صوب الصخرة فوثب عليها وسيفه بيده ومن فمه تعلو أنشودة حزينة يرثي بها ابنه. وبدأ الناس بعد ذلك يصعدون الجبل ليلاً"(3).

لا يمكن تصور الصراع بأنه يدور بين إنسان وحيوان من أجل البقاء. ولا يمكن تصور الحيوان المفترس هو كذلك. بل يأخذ الرمز مجراه، وعلينا ألاَّ نفصل الظرف التاريخي الاجتماعي الذي يعطي للرمز حيويته وقوته دون إسقاط. فالإبداع الفني هو الذي يحول الصراع الزمني الدائم إلى تحديات تواجه الكون والحياة نفسها، لذلك كان لا بد من النفاذ إلى ما وراء الأبعاد الكامنة في النص بكل احتمالاته كفضاء مفتوح. وهكذا تنتهي القصتان بالانتصار على الطاهش مهما كانت قوته وجبروته. وتنتهيان أيضا بالنشيد نفسه، نشيد الحرية والانتصار وعدم الاستسلام للواقع المدمر والقاتل، بل يجب فعل ما يُرى أنه مستحيل من أجل إزاحة ما يعترض طريق الأمن والأمان، الطريق إلى الحياة.

وزيد مرتبط بالبيئة، أحياناً ينتقدها ولا يرضى عنها ولكن بروح المنتمي لها والمتمني وضعاً أفضل. ففي قصة "العسكري ذبح الدجاجة" يتمنى زوال الإجراءات التعسفية التي لا يفهم الرعوي منها شيئاً. وفي قصة "العائد من البحر" يتمنى أن يزول الظلم حتى يعود الناس إلى أوطانهم ويحققوا أحلامهم... ومن هنا لم ينته به موقف الناقد المحب إلى السخط والهرب من الناس، واللجوء إلى تجريديات لا صلة لها بالواقع، بل انتهى به في قصصه الأخيرة إلى البحث عن الجوهر والكشف عن شخصية اليمن، من خلال أحداث ومواقف تسلمه إلى أفكار لا تصطدم مع الواقع، بل تنتزع منه.

وقد تطور نحو ذلك تطوراً طبيعياً. فقد كان في بعض قصصه، مثل : "العسكري ذبح الدجاجة"، "العائد من البحر"، "الرمال العابرة"، "عمر النسور"، "بياع من برط"... ينحصر في موقف جزئي، أو قضية اجتماعية، أو شخصية مثيرة، أو عادة قبلية، ثم أخذ يتجه من خلال تلك الجزئيات إلى تصوير فكرة عامة. ففي قصة "الذماري" يصور لنا صنعاء سنة 1948 وكأننا نقرأ صفحات كتاب تاريخ؛ ولكنه لا يقدم الوصف جزافاً، بل يحاول أن يبرز جانب القسوة في تلك المدينة، فهو مهاجر يمني أتى بعد طول غربة ففوجئ بهذا الوجه في صنعاء. لقد تعرض لعمليات نصب من العسكري ومحاولة ابتزاز من العامل، وانتهى به الأمر إلى السجن دون أن يفهم شيئاً، وكأننا في عالم كافكا في قصته "مستعمرة العقاب"(4).

ويضيف الدكتور عبد الحميد إبراهيم في كتابه "القصة اليمنية المعاصرة" حين يتحدث عن الناحية الفنية والتطور في إنتاج الأستاذ دماج والصراع بين التخلف والتقدم في الواقع اليمني: "ولكن دماج أكثر تطوراً من الناحية الفنية، فهو قد اختار لحظة درامية لقصته هي لحظة الاصطدام مع واقعه المتخلف حين يعود المهاجر وهو أكثر خبرة واطلاعاً، فإن علي بن علي في "العائد من البحر" يعود بعد أن رأى مجتمعاً مختلفاً، فيتحلق حوله الرعويون، أي الفلاحون، ويحكي لهم حكايات عمّا وراء البحر. إنه بهذا يصبح خطراً على النظام، لأنه يفتح الأعين ويثير الوعي فيحدث الصدام مع واقعه، ويكون عنيفاً، نستطيع أن نتبين شيئاً من أبعاده من خلال الحوار التالي بينه وبين نسيبه الحاج صالح الذي يشفق عليه من مغبة الصراع:

-         يا لدنياكم العجيبة التي تعيشون فيها!

-         لم نعرف دنيا غيرها لنعيشها!

-         ولكن عرفتُ العالم كله وتجولت في إنحائه فلم أجد شيئاً يحدث كهذا!

وتلك هي اللحظة نفسها التي يختارها المؤلف أيضا في قصة "الذماري"، فقد عاد المهاجر إلى اليمن سنه 1948، ولحظة عودته يبدأ الصراع العنيف الذي يقدمه لنا المؤلف مذ بداية القصة: "باب اليمن يفتح في الصباح ويقفل في الغروب كسائر الأبواب المحيطة بصنعاء. رجل عادي شد انتباه الناس إليه، ذقنه الحليق ولباسه الغريب، بنطلون وبلوفر، الغبار يعلوه، وحقيبته الصغيرة بيده. دخل من باب اليمن ظهراً، والغبار يختزن بشتى أنواع القشاش والجراثيم. سأل حارس الباب:

-         سيدي!

-         سيدك الله! ماذا تريد؟!

-         أين أجد مطعماً أو فندقاً؟

-         لا أفهم ماذا تعني!

 وتلك اللحظة الدرامية تضفي على القصة شيئاً من الصراع والحركة، وقد ينتهي ذلك الصراع غالباً بهزيمة العائد أمام ذلك الواقع المتخلف. فإن "العائد من البحر" لم يستطع أن يقاوم الشيخ وأتباعه، ففقد أعصابه واستخدم البندقية. وكذلك "الذماري" فإنه يدخل في صراع عنيف مع الجندي والكاتب والتاجر والعامل، ينتهي به إلى السجن"(5).

* * *

لم يتوقف القاص زيد مطيع دماج عند حقيقة ظاهرة التخلف في شتى مناحي الحياة التي رصدها في أعماله السابقة، ولكنه سعى في أعماله التي تلت إلى محاولة التوصيف والتشخيص للوصول إلى رؤية مستقبلية لوطن أفضل ومواطن ينعم بالاستقرار والحرية، كما نجد ذلك في مجموعته الثانية "العقرب" والتي صدرت عام 1982 وقدم لها الدكتور عبد العزيز المقالح: "وزيد مطيع دماج في مجموعته الثانية يواصل البحث أكثر مما كان في المجموعة الأولى (طاهش الحوبان) عن المعادلة الصعبة، غير مهتم بمتابعة الأشكال أو الانبهار بأساليب التعبير القائمة على تيار الوعي أو اللا وعي، لأنه مشغول برصد إيقاع الحياة المتطورة سلباً وإيجاباً، وهذه المهمة تجعله يبتعد عن كل ما يبدد ملامح الرؤية ويفتت العلاقة بين فن القصة وأبعاد الواقع ومعطياته"(6).

                ويمكن لنا أن نأخذ قصته القصيرة "هاي هتلر" أنموذجاً. ففي قصته القصيرة هذه، وهي من مجموعته الثانية (العقرب) يصف (دماج) حركة الحياة كمسرح يومي في أحد أشهر ميادين العاصمة صنعاء منتصف السبعينيات؛ حركة الناس والسيارات الحكومية والخاصة... لم يستطع تفسير ذلك، لأن الجميع -كما يقول- بلا هدف.

هكذا ينفذ دماج إلى نقد الواقع أو نقد الدوران في الفراغ الذي لا يوصل إلى تقدم في الحياة. ينتقد عسكرة الحياة في ذلك الزمن اليماني، حين يصور إسماعيل الطيب: "إنه أحد مجانين الشارع، المشهور سابحاً في خياله ممعناً في تفكيره، الواضح من خلال تصرفاته وحركاته... في عينيه ومضات مجهولة قلقة كأنه يفكر في إنشاء دولة قوية"(7).

ويستطرد القاص زيد دماج في وصف العربات العسكرية وتحية الجنود وهتافات الجماهير للزعيم المجنون: "الزعيم القائد مازالت يده اليمنى مستقيمة ونظراته مازالت صارمة والدمع يطفح منها. وفجأة انهار الزعيم القائد بجسمه إلى الأمام، ويده اليمنى مازالت مستقيمة... ثلاث درجات من الاسمنت المبلط هشمت وجهه، ولمس أنفه التراب، تراب الحديقة المؤدية إلى البوفيه، وظلال الأشجار التي رعاها ذلك العسكري العجوز يظلله. وتوقفت حركة المرور... لقد مات! يا إلهي! مات الزعيم! مات إسماعيل الطيب!"(8).

* * *

وحين نصل إلى المجموعة الثالثة لزيد دماج وعنوانها "الجسر" والتي صدرت عام 1986 نرصد ملمحاً فنياً تميز بالأناقة والإحاطة؛ ذلك ما كتبه الأستاذ عبد الكريم الرازحي تعليقاً على المجموعة الثالثة: "لماذا وحده زيد نقرأ له فنستمتع بما نقرأ؟ لماذا هو الوحيد يمتلك القدرة على ترميم شروخ الذاكرة وإثارة شجون القلب؟ وحده زيد بين شعراء وقصاصي بلادنا يكتب بتلقائية وبساطة. وحده حين يكتب يذكرنا بأنفسنا، بأحزان قرانا، في جميع قصصه وفي روايته (الرهينة) ينقل المكان اليمني بشاعريته وتفرده... والمكان عند زيد ليس إطاراً خارجياً أو مجرد وعاء، بل هو كائن حي.. قصص زيد فيها حرارة الحياة يكتبها صاحبها بموهبة وتجربة وتواضع"(9).

ننتقل من المجموعات القصصية إلى أهم عمل روائي قدمه الفنان المبدع زيد مطيع دماج، ونعني به "الرهينة" التي ترجمت إلى عدة لغات عالمية واستأثرت بصدى غير مسبوق في دوائر النقد العربية والأجنبية. ونعرض هنا لأهم ما يمكن رصده في هذا السياق، فمن خلال تعريفه بالرواية استطاع الدكتور علي جواد الطاهر أن يقدم لنا "الرهينة" في سطور: "تقوم فكرة الرواية على فضح نظام الرهانة الذي كان قائماً قبل قيام الثورة، والذي بمقتضاه كان يحق للإمام أن ينتزع أبناء الأسر الكبيرة في الريف ويودعهم السجن مع القتلة والمجرمين، لكي يضمن بذلك ولاء الآباء وعدم خروجهم على طاعته... وتبدأ أحداث الرواية من لحظة هجوم عساكر الإمام على منزل أحد المواطنين لانتزاع طفله الذي لم يتجاوز العاشرة، من بين أحضان الأم، ليذهبوا به إلى السجن مع زملائه في أعمار مختلفة.

لم يطُل بقاء الرهينة في القلعة (السجن) فقد أخذ قسراً إلى قصر النائب ليكون في خدمة حريم القصر. فكان يبدي دهشته المصحوبة بالتقزز والنفور من كل ما يراه ويسمعه في القصر، وأنقذه إحساسه الغامض بالخوف من الاحتراق في أجواء القصر، حتى بعد أن ربطته علاقة حب غير متكافئة مع صاحبة القصر (الشريفة حفصة) أجمل الجميلات والزاحفة نحو الكهولة في انتظار عريسٍ لن يأتي.

وطلبت الشريفة من الرهينة أن ينقذها من سجن الحريم، فرفض واختار أن يفر وحيداً تطارده أحجارها المقذوفة وصوتها المبحوح الذي يحبه، إلى أن تلقفته ظلمات الجبال المطلة على الوادي الموحش المنحدر إلى المستقبل المجهول...(10)".

إن هذه القراءة المتواضعة لا يمكن لها أن تكتشف "الرهينة" (الرواية) بكل أبعادها وتداخلاتها، ولا يمكن لها أن تسهب في السرد والحكاية، ولكنها تحاول أن تلتصق بالرهينة: وطناً وإنساناً.

 في رواية "الرهينة" تدخل إلى عالم كثيف الحضور، عالم فيه كثير من الاختلاف والتفرد، عالم يبدو غريباً عليك وبعيداً عنك، ولكنك تكاد تجزم بأنك قد رأيته أو سمعت به من قبل؛ إنه عالم الحكايات الموغلة في القدم: حكاية بنت السلطان وجواريه وامرأته، وما يتصل بهذا العالم من بشر يقومون على خدمته، ويقعون على أطرافه في العلن وفي صميمه في السر. ولكن عالم "الرهينة" يبرأ من الخرافة والأساطير وافتعال الأحداث، إنه مشدود من أطرافه جميعاً إلى تراب الواقع وصخوره وناسه وأحداثه وعلاقاته.

 

وقد استطاع زيد مطيع دماج أن يبرز شخصية المكان إلى حد ما، واستطاع أن يرصد -بأصالة وعمق- البيئة الاجتماعية التي تدور فيها الأحداث. ولا يشك قارئ "الرهينة" لحظة واحدة في أن هذا المجتمع الذي يتحدث عنه المؤلف مجتمع له خصوصيته الشديدة التي تميزه في كثير من الملامح عن المجتمعات العربية الأخرى، وإن كان هذا التميز لا يعني الخروج من تلك المجتمعات، بل يعني التنوع ضمن الوحدة.. (11)".

ويأتي ضمن هذا السياق حول رواية "الرهينة" شهادة الدكتور محمد صالح الألوسي: "لقد حمل زيد ضمير الأمة في صراعها مع العبودية والتخلف، وفي سعيها إلى الحرية والتقدم. وهذا يعني أنه سيلمس أحاسيسنا ووعينا باستمرار، لأن المعركة مستمرة وإن تغيرت تسميات الأعداء. ولما كانت المعركة واحدة من المحيط إلى الخليج فإن الرهينة (الرواية) لا تمثل للقارئ العربي حالاً فرداً معزولاً مكاناً وزماناً بل واقعاً اجتماعياً وسياسياً متفشياً في أرجاء الوطن العربي (12)".

ولأستاذنا د. علي جواد الطاهر رأي واضح في تجربة دماج، من خلال قراءته لـ"الرهينة": "وزيد مطيع دماج أنشط اليمنيين في الفن القصصي. وقد جاء إلى الرواية القصيرة بعد أن عرف جيداً في القصة القصيرة، وتوافرت له خبرة وتجربة، وبعد أن توافرت لليمن كذلك خبرات وتجارب في الرواية القصيرة. وإذا كان الجهد في الماضي قد أتى متأخراً أو متقطعاً أو على غير انصراف، بسبب من ظروف القُطْر المختلفة بين التخلف والهجرة والقلق والثورة نفسها... فإن تلك الظروف استحالت مادة قصصية كما يجب أن تكون، وأن الجد في الفن القصصي لا بد أن يحصل، شأن اليمن في ذلك شأن الأقطار العربية وشأن العالم كله(13)".

  إن أهم ما يميز الأعمال الروائية والقصصية للأستاذ زيد مطيع دماج هو ارتباطها والتصاقها بالبيئة اليمنية بصدق ووضوح ودون تكلف أو اجترار، فهو يرسم الأرض بألوان الطيف، ويبحث عن لوحة إنسان بصفاء الماء وخيوط الشمس. مازال زيد ٌ يروي، والحكاية لم تنقطع...

 

الهوامش:

(1)     الموقع الإلكتروني "دماج نت".

(2)     المصدر السابق.

(3)     المصدر السابق.

(4)     د. عبد الحميد إبراهيم: القصة اليمنية المعاصرة، دار العودة: بيروت، 1977.

(5)     المصدر السابق.

(6)     د. علي جواد الطاهر: تعريف بالرواية والقصة اليمنية، مجلة "اليمن الجديد"، أغسطس 1988.

(7)     الموقع الإلكتروني "دماج نت".

(8)     المصدر السابق.

(9)     د. علي جواد الطاهر، مصدر سابق.

(10)  المرجع السابق.

(11)  د. وهب رومية: الصدى والرمز في رواية الرهينة، مجلة "اليمن الجديد"، يناير 1987.

(12)  الموقع الالكتروني "دماج نت".

(13)  د. علي جواد الطاهر، مصدر سابق.


Back to Home Page